Friday, August 22, 2008

حكاية


عندما هبط الملاك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ظنوه في البداية ملاكاً .. فقد كان الرجل الذي سقط من السماء فجأة يبدو قطعةً من الجمال الشاحب في بلدة منحت الشمسُ وجوه أهلها لون القسوة الداكن ، و تكفَّل الفقر وحده بجعل ملامحهم تتشابه حتى صاروا ـ رغماً عن أنوفهم ـ أخوة . رآه الجميع يرفرف هابطاً من بين السحب ، حتى إنه عندما اصطدم بالأرض ، كانت ندفٌ تشبه القطن تغمر جسده العاري . كانت عيناه في زرقة السماء ، و لون شعره في صُفرة الذهب البراقة . جسده قوي ، و قامته أعلى من أسطح بيوت البلدة .. أما صوته ـ الذي انطلق بالتأوهات منذ سقوطه القوي من السماء ـ فقد كان يشبه غناء طائر
سقط في قلب البلدة .. على مرأى من الجميع ، قادماً من السموات البعيدة بجروح و كدمات تغمر جسده الشمعي شاهق البياض ، فتبدو كعلامات رعب داكنة . و لأن ذلك حدث في زمن الحرب ، حيث المعجزات هي الحقيقة الوحيدة القابلة للتصديق .. فقد تأكد الفقراء أن الله قد تذكرهم أخيراً بهدية .. غير أنهم لم يعرفوا كيف سيستخدمونها أو يستفيدون منها .. كما أصابتهم حيرة : كيف سيقتسمون هذا الرجل بينهم ؟ و فكروا أنهم حتى لو مزقوا جسده إلى قطع صغيرة لن تكفي كل البيوت . بمجرد أن بدأ يفيق من سقطته مستعيداً القدرة على النطق تأكدت في عيونهم المعجزة : كان ينطق بعبارات تنتمي للغة غريبة لم يسمعوا بها من قبل ، خمنوا أنها لغة الملائكة . هكذا نسي أهل البلدة مؤقتاً حزنهم على أبنائهم الذين يذهبون للحرب و لا يعودون .. و اختفت الدموع فجأة ، و الصرخات القادمة من ظلمة الغرف الفقيرة الضيقة داخل البيوت ، و الآلام المعجونة بلون التراب .. مقدرين أن ذلك الملاك يحمل تعويضاً ما ، قد يكون غامضاً الآن و غير مفهوم ، غير أنه لن يلبث أن يكشف عن سحره الدفين


عندما تجاوز الأهالي رهبة الأيام الأولى ، و تجرأوا على الاقتراب منه بل و ملامسته .. اكتشفوا عدداً هائلاً من القطع الذهبية متناثرة حوله .. اقتتلوا من أجلها ، مات من مات و نجا من نجا .. قبل أن يتفقوا ـ مع تزايد أنهار الدماء التي غمرت الشوارع و صبغتها بلون الحناء و عبرت أبواب البيوت حتى استقرت بداخلها و بدأت زحفها على الجدران لتخفي ملامح صور الشهداء على الحوائط ـ على ألا يحدث شجار آخر .. خاصة و أنه منحة إلهية لا يجب أن تُهان أو يُساء إلى قدسيتها . اتفقوا بعد جلسات مطولة على أن تستضيف كل أسرة منهم الملاك يوماً .. و تشاجروا من جديد على ترتيب الاستضافة بين الأُسر ، و كادوا يقتتلون مرة أخرى .. إلا أنهم اتفقوا في النهاية على أن تبدأ الاستضافة من الأغنى للأفقر .. و رغم أنهم جميعاً كانوا في النهاية فقراء ، إلا أنهم بدأوا ، و لأول مرة في تاريخ البلدة ، يحصون ممتلكاتهم القليلة ليميزوا أنفسهم طبقياً .. و رغم أن الحرب ـ و منذ بدأت ـ كانت قد جعلتهم بيتاً واحداً ، إلا أن كل ذلك انتهى الآن .. فجأة ، و بكل القسوة الممكنة


أخيراً اتفقوا .. و كانت نعوش الأبناء في هذه الأثناء تأتي و تذهب ليخفيها التراب دون أي طقوس أو دموع كأنها تخص أشخاصاً آخرين لم تكن لهم ذات يوم أرجل حية تلهو فوق هذا التراب بالذات . حتى صور الراحلين لم تعد تُعَلَّق على الجدران .
الغريب ، أن الفأل الحسن للرجل ما لبث أن تحوَّل إلى لعنة .. فمع كل بيت يبيت فيه كانت النساء يستيقظن على دماء أزواجهن و أبنائهن الذكور ، مقتولين بقسوة . و رغم أن الأمر صار يتكرر يومياً و بنفس الطريقة .. إلا أن من لم يستضيفوه بعد كانوا يجازفون ، موقنين أن الخير ربما يكون من نصيبهم هذه المرة .. و هو مالم يحدث أبداً . و لم يمض وقتٌ طويل حتى كانت البلدة قد صارت بلا ذَكَر ، إلا الرجل الغريب الشاحب


عندما انتهى من مهمته ، خرج أخيراً ليتجوَّل وحده في شوارع البلدة . . ثم عاد إلى بيوتها واحداً واحداً ـ بادئاً بالأفقر فالأغنى هذه المرة ـ ليحصل على متعته اللازمة من النساء و الفتيات . . و كان قد استرد عافيته و اشتدت قوته ، و صار جسده بلون الدماء الغزيرة التي شربها .. و أدركت النساء و الفتيات أنه ليس سوى رجل مجهول جاء بخدعة مُحكمة . و حين قرر أن يعود إلى السماء ـ على مرأى من العيون المهزومة المتطلعة من شُرفات البيوت ـ لم يرفرف مثلما جاء .. و لكن هبطت طائرةٌ ضخمة صعد سلالمها بثقة .. رأت فيها العيون التي تحجرت فيها الدموع علامة مرعبة لعدو .. و أدركن في هذه اللحظة فقط ، أن الحرب قد انتهت

...................................

من حكايات الدستور

Thursday, August 21, 2008

طعم الحاجات بيعيش ساعات .. و يدوب قوام .. و قوام يفوت


حاجات كتير حصلت و ماكتبتش عنها هنا

عيد ميلادي فات

الناس هنُّوني و انا ما هنِّتش نفسي

3 ،، 4 ندوات لكتابي

حبيت و كرهت

كتبت في جرايد ومجلات

و اتحبيت تاني من بنات

مابقتش ملاحق ع الدنيا

و كل ما ابص على الآخرة على سبيل التغيير

اكتشف ان فيه ناس برضه مش ملاحقين عليها

مات يوسف شاهين

و رؤوف عباس

و عبدالوهاب المسيري

و محمود درويش

مين يزود ؟؟

تامر نزل شريط

و حماقي حصله

و هيثم شاكر زعلان

الأهلي لسه بيكسب

بس بقى بيخسر برضه

أختي سارة حامل في السادس

خلاص هبقى خال

عقبال ماابقى أب

يا رب

(:


كل مااجي أكتب هنا

ألاقي حاجات محتاجها البيت

و اللي يحتاجه البيت يحرم ع البلوج

شغل مطلوب في المجلة و كام جرنان

حاجة جديدة بعافر في كتابتها

واحدة بقابلها دايما من غير معاد

وواحدة كل ما اديلها معاد ما اروحش

صحاب ع القهوة

بقيت بقابل القهوة أكتر ما بقابلهم

طب اكتب عن إيه ولا إيه ؟

عيد ميلادي .. و عدَّى

اللي ماتوا .. عدُّوا

إيدي ع الكيبورد مش مطاوعاني

عموماً

سامحوني

والله العظيم أنا عامل زي عملة فضة

بترن قوي

لكن ما حادش عارف مكانها بالظبط

و خصوصاً

أنا

(:

Tuesday, July 22, 2008

هدوء القتلة في ميريت ... يعني على أرضي و بين جمهوري


اليوم ــ الأربعاء ــ تقيم دار ميريت ندوة لمناقشة روايتي هدوء القتلة

الساعة 8مساء

طبعا الندوة في ميريت لها مذاق خاص جدا

لأنها فعلا على أرضي و بين جمهوري زي مابيقولوا بتوع الكورة

تمنياتي لكم ، و لنفسي بندوة لذيذة خفيفة

و آسف على إعلاني المتأخر عن الندوة في نفس يوم انعقادها

أنا أصلي بقيت عامل زي الجرايد اليومية

عايش اليوم بيومه

((:

عنوان ميريت
ب6
شارع قصر النيل ، بجوار سينما قصر النيل

الدور الثاني

Saturday, June 14, 2008

أنا فين ؟؟


فيه سؤال بيضايقني قوي ، بيضايقني فعلا لما حد يقابلني ، و يسألني ، قال يعني كنوع من الحميمية : انت فين ؟ و الحقيقة أنا عمري ما فهمت معنى السؤال ده و لا قدرت اكتشف مناطق الحميمية المختبئة بين ثناياه . هو المفروض الواحد يكون فين و مابيبقاش موجود ؟ و الله العظيم لو حد قاللي هكون ممتن و هحرص على التواجد في الحتة اللي المفروض اكون فيها.المشكلة ان الإجابة في كل الحالات بتكون مش مرضية .. يعني لوقلت : والله باجي القهوة بس مش بشوفك ، يقول لي : هي الحياة قهوة بس ؟ ..و النماذج على الإجابات اللي من النوع ده كتير . الفترة اللي فاتت قررت أكرس جزء من وقتي لمحاولة الحصول على إجابة .. و كل ماواحد يسألني انت فين ، أقوله ببراءة حقيقية هدفها المعرفة البريئة : هو انا مفروض اكون فين ؟ فيضحك مثلا ، أو يسكت بتضرر بمنطق اني بتعالى عليه .. مع اني فعلا عايز افهم . أخيرا واحد جاوب عليا بعبارة غارقة في عسل الشاعرية و مدهونة بالشجن :قصدي انت فين منِّي ؟ و الحقيقة ما فهمتش قصده ،و ماعرفتش اجاوب لإن السؤال ده بالنسبالي بناتي شوية .. و لإني برضه معرفتش مفروض اكون في انهي حتة منه بالظبط .. سألته ــ ببراءة برضه ــ انا فين من انهي حتة فيك ، فاعتبرني قبيح و فهمته غلط

و النبي يا جماعة حد يقوللي .. مفروض أكون فين .. بس مش منّه

(:

مقال إبراهيم فرغلي عن ( هدوء القتلة ) في النهار اللبنانية

"هــدوء الــقــتــلــة" لــطـــارق إمـــام
كتابة حديثة بدماء جثة السرد التقليدي
!
............
إبراهيم فرغلي
بـ"هدوء القتلة" ضرب طارق إمام نصلا عميقا في جثة النص السردي التقليدي، بيده اليمنى على ما أتصور، وباليسرى كتب، بدم بارد، على جثة القتيل نصاً سردياً حديثاً، ومبتكراً، بامتياز. تماما كما يفعل بطل روايته سالم؛ القاتل المتسلسل الغائب في رؤاه، الذي يقتل ضحاياه بيده اليمنى، ليكتب باليسرى قصيدة جديدة مع كل ضحية، تاركاً سطوراً من الدماء تحيا بامتداد المدينة، بعد أن يعثر على مخطوط قديم لناسك كهل مجهول، يقود روحه، ويتخذ من مخطوطه كتاباً مقدسا يدير له حياته الخاوية.على الرغم من الطابع التأملي الذي تتسم به الرواية، فإن طارق إمام غلّف هذه التأملية والأفكار الذهنية، والفلسفية أحيانا، بحالة من المشهدية عبر صور ومشاهد تعطي هذا النص وجها من أبرز وجوه قوته، وتتكامل لتصوغ معا، حالة خاصة؛ تضفي تأثيرا يشبه مشاهدة فيلم، يدور في أجواء غامضة، ضبابية، في مدينة شاسعة، لكن أفرادها معزولون، أو تكاد تكون خالية.هذا النص مشغول بالتفاصيل، لكن كل تفصيل، يحيل على حكاية أخرى في الخلفية، وكل مشهد يتولد من تلك التفاصيل يؤدي بالراوي إلى مجموعة من التداعيات تتأرجح، على امتداد النص كله، عند الحد الفاصل بين الواقع والخيال.لو شئنا الدقة، فإن النص إجمالا ينتمي تماما الى الخيال، وهذا وجه آخر من وجوه تميزه، بينما الواقع ليس سوى محاولات مبتسرة للإيهام بوجوده، إذ ليس سوى واقع افتراضي أو خيالي. فقد يتطلع الراوي إلى واجهة محل زجاجي، يحدق الى المانيكانات، أو نماذج الدمى التي تعرض الملابس. سرعان ما نجد هذه المانيكانات تتحول جزءاً من نسيج السرد، فتتولد فيها طاقة تحركها في مسيرات ثورية، وتطوف حولها أساطير تقول بهرب فرد منها من قبضة الشرطة، حيث يشاهد، بين آن وآخر، يتأمل أقرانه بعدما تمّ وضعهم جميعا خلف واجهات زجاجية، بينما تثور داخله أسئلة عن فكرة القيد والسجن، لدى مقارنة حال هذا المانيكان بحال الجيل الثاني من المانيكانات المسجونة خلف الزجاج.تبدأ التداعيات بمشهد لطائرات ورقية تحلق في فضاء المدينة، ثم تحيلنا الطائرات المعدنية، بضوضائها، وصخبها العنيف، على الغرباء الذين يغفون فيها متعبين، يرقبون خرائط العالم من نوافذها، بينما ترقبها في الطريق، إضافة الى الراوي، مجموعة من المقعدين على كراسيهم المتحركة، ينطلقون في أسراب، يشاهدون الطائرات، وينتظرون أن يتسببوا، باندفاعاتهم العنيفة، في سقوط ضحية جديدة، تنضم إلى سربهم في اليوم التالي. ومنها إلى مشهد لأماكن يستقر فيها المعتقلون، بينما تغطي أصوات الطائرات على أصواتهم فلا يسمعها أحد.في كل مشاهد الرواية تتداعى مثل هذه الصور وغيرها، لكن اللافت تلك العلاقات الثنائية التي يفيض بها النص عبر تداعيات الراوي: فعندما يتحدث عن بيوت جديدة يشير إلى أن كل بيت جديد مكتمل يعني مقبرة جديدة مكتملة في مكان ما. وعندما يتحدث عن إحدى ضحاياه من أصحاب العاهات، بساق واحدة، يجري مقارنة بين الساق الخشبية والأخرى السليمة. وعندما يستقل سيارة أجرة يجري مقارنة بين المشهد الضبابي الممطر للمدينة من نافذته المغلقة والمدينة الحية كما تظهر من نافذة السائق المفتوحة، انطلاقا ربما، من الثنائية الجوهرية التي يتأسس عليها النص بين يدي هذا القاتل الذي يقاوم عراك يده اليمنى التي يستخدمها في القتل، مع يده اليسرى التي يكتب بها الشعر.كأنها مقابلات فنية، على مستويات عدة، بين الفن والوحشية، بين الموت والحياة، بين القبح والجمال، وفي الأساس بين تناقضات الكائن البشري وازدواجياته التي لا تحصى. وايضا كأنها ثنائيات فلسفية، ومقاربات فكرية، مرسومة بعناية، وحرفية في لوحات فنية سردية.يتعدد ضحايا القاتل، من مصور فوتوغرافي إلى جابر صاحب الساق الوحيدة، وبائعة الورد المحجبة، وإحدى مريدات الأولياء في مولد من الموالد، وصولا الى الإسكافي، وجارته العجوز، وعشيقته سلمى التي قتلها مرتين!يبدو القتل الثنائي لسلمى كأنه تأكيد لمنطق الرواية التي تقول بكل الوسائل الفنية، أنه لا توجد حقيقة واحدة، وأن منطق الأشياء قد يختلف بين كائنين متلاصقين، وأحيانا بين عضوين متماثلين لكائن واحد! وهو من جانب آخر تأكيد للطابع الفردي، كسمة حديثة في مجتمع يفقد واحدة من صفاته الأساسية العتيقة، وهي قيمة الجماعة لمصلحة الفرد. وللعزلة التي يعيشها هذا الفرد في الوقت الراهن بشكل عام.أخيرا تظهر شخصية هناء التي تبدو، حتى اللحظة الأخيرة، مشروعا لضحية من ضحاياه، لكنها، وبعد أن تتعرى له، تفاجئه بما لا يمكن أن يتوقعه.تتخلص الرواية من ميراث ثقيل من الإيديولوجيا، والتحليلات الاجتماعية، وحتى من خلق مجتمع طبقي وفقا للتراتبات الاجتماعية. ولعل مشهد المقعدين في مقارناتهم لأسباب عجزهم، يوضح الطريقة الفنية التي يتأمل بها النص فكرة التراتبية: "فمن فقد ساقيه في حرب مجيدة لا يمكنه أن يستوعب أنه يتساوى وذلك الذي فقدهما في حادث طريق عارض. لا يمكن من سقط من منطاد بينما يطارد سموات غير مرئية أن يكون أخا لعابر التهم القطار ساقيه أثناء سهوه". هذه الرواية لا تؤمن بسوى الفن، يدعمها الحس الساخر الباطني للنص، فكأنه نموذج للتعبير عن الهم الحقيقي للرواية بوصفها بحثا عميقا عن الهم الإنساني، على ما يقول ميلان كونديرا. وبينما شاع أن من فضائل النص الحديث الاختزال والتكثيف، اللذين برع فيهما طارق إمام مسيطرا على لغته الخاصة والجميلة، إلا أن الكاتب، في الوقت نفسه، لا بد أن يمتلك إحساسا داخليا، وميزانا ذاتيا، يتيحان له أن يضرب بعرض الحائط، إذا اقتضى الفن، كل مقولة لا تتفق وروح النص. فبسبب الإيجاز والاختزال افتقر النص الى مساحات كبيرة من التداعي كان في الإمكان أن تتاح بسهولة في نص مثل هذا قوامه الخيال؛ الذي لا يبدو الكاتب مفتقرا إليه على أي نحو. بل كأنه بذلك بدّد قماشة رائعة وأصيلة مجانا وبلا مبرر تحت ضغط مقولات نظرية لم تُختبر بشكل كامل. هذا الهدر المجاني لانسيال النص وتدفقه، والامتناع عن الاستمرار في غزله، على الرغم من توافر خام النسيج، أعطى الرواية طابعا تجزيئيا، إلى حد أنها بدت، في غير موضع، كأنها فصول لا علاقة في ما بينها، أو كأنها مشاهد تنتمي الى فكرة واحدة، لكنها تفتقر الى عناصر توحدها. لماذا يخشى كتّاب الأجيال الجديدة من طول النَفَس؟ ولماذا يقتّرون على قرّائهم باكتمال المتعة؟ سؤالان يجب ان يواجههما الكتّاب من التسعينات ومن اللاحقين، وإلا فالنتيجة غالبا ما ستكون ركاما من نصوص مبتسرة
...................................
إبراهيم فرغلي
جريدة النهار اللبنانية

Friday, May 02, 2008

بمناسبة نفاد هدوء القتلة .. و ندوة الكتب خان

طارق إمام في أول صورة بعد نفاد هدوء القتلة
(:
من اليمين للشمال : مشيرة محمود ــ مروة عبدالله ــ أنا ــ ابراهيم عادل ــ د. زين عبد الهادي ــ شادي أصلان

كل شيء دعم اليوم الجميل في مكتبة الكتب خان في هدوء المعادي الذي استضاف هدوء القتلة فصار صاخبا ، و على شرف مهندسة الندوة كرم يوسف
ندوة رائعة ، دعمها الحضورالكبير المحب لنخبة من أساتذتي و أصدقائي .. فضلا عمن قرأوا الرواية و جاءوا لمناقشتها ..مناقشة جادة ولا أروع
ثلاث ساعات من النقاش الحميم الممتع كان يمكن أن تمتد لمثلها
و كل هذا كان مغلفا بالخبر المبهج : نفدت هدوء القتلة بعد أقل من 3 شهور على صدورها .. لتكون أولى الروايات النافدة هذا العام .. اللهم دمها نعمة و احفظها من النفاد
(:
سعيد بالحضور المميز لأستاذي مكاوي سعيد ،الذي تحدث بعمق جميل .. و للدكتور زين عبد الهادي بمداخلته المهمة النافذة ،و بصديقي الخاص جدا شادي أصلان ، اللي معايا في كل مكان صحرا ان كان أو كتب خان . شاكر للروائية اللبنانية الجميلة لنا عبد الرحمن التي منحت اليوم لكنة نقدية مميزة .. و لسمر نور و علا الساكت و طه عبد المنعم و إبراهيم عادل
وشاكر لفتاة جميلة اسمها ماريهان ، تعرف كتابتي ربما أفضل مني ، و تملك حاسة نقدية تفوق بعضا ممن يحملون على أكتافهم اللقب المقدس/ د
الثنائي المبهج مشيرة محمود و مي بهاء فعل فعلته كالعادة بدعمي ، و على فكرة الصور دي بعدسة مي الرائعة
و ماوريتا الجميلة ــ مروة عبدالله ــ كانت متألقة ، ده شيء بديهي يعني
(:
.........................
الطبعة الثانية من هدوء القتلة قريبا

Saturday, April 26, 2008

احضر ( هدوء القتلة ) بالمجان في مكتبة الكتب خان

يوم الأربعاء القادم 30 ابريل 2008
الساعة 7 مساء
الموعد المرتقب الذي طال انتظاره
بالنسبالي يعني
(:
ندوة لمناقشة رواية هدوء القتلة في مكتبة الكتب خان بالمعادي
و التي اختارت الرواية ككتاب شهر ابريل
يشرفني بالمناقشة و المناوشة
الكاتبان الكبيران
إبراهيم عبد المجيد
مكاوي سعيد
و الحضور
،
الدعوة لم تطلها يد الخصخصة
يعني دعوة عامة
في انتظاركو
......
العنوان
3/1
شارع اللاسلكي ـ المعادي الجديدة
ودي خريطة للوصول للمكتبة



Saturday, April 19, 2008

قاريء إمام ((:


ذات ظهيرة ، كنت جالسا مع أديب شاب على أحد المقاهي ، و مر شاب ـ أصغر سناً بقليل من الأديب الذي يجلس معي ـ فناداه زميلي بلهفة .. و ما أن اقترب منا حتى عرفني عليه قائلا بفخر، و قدر من نبوة ، وقدر من كبرياء : فلان .. واحد من قرائي . المسألة اعتبرتها يومها نوعا من ممارسة السادية على شخص لم يقترف ذنبا سوى أنه قرأ للأخ واحدا من كتبه ، و مش بعيد يكون أهداه ليه كمان ..بعدها توجه الأديب الشاب بالقاريء الشاب إلى صاحب المقهى ، و طلب منه الأديب ـ و ليس القاريء و الله ـ التقاط صورة تذكارية لهما بعد أن عدل من وضعية إحدى خصلات شعره المجعد التي انتصبت كقشة فوق جبينه .. زين الأديب الشاب بالصورة جدران مدونته بعد ذلك ، مشفوعة بصور مشابهة مع ضحايا آخرين .سألت نفسي ببساطة : ليه بيعمل كدة ؟ و لأن الأديب الشاب في هذه الحالات ممكن ينكش شعره و يقف على مشطي قدميه و يصرخ : أنا مش أديب قزعة .. أنا طويييل و اهبل .. فقد آثرت الصمت ، لأني أعرف أن الكُتّاب قليلون أصلا في البلد و العملية مش ناقصة

أستدعي هذا الموقف كثيرا كلما فكرت في علاقة الكاتب بالقاريء ، كيف تنظر لقارئك ؟انه سؤال جوهري مهما ادعى أشدنا تكبرا أنه لا يشغل حيزا من تفكيره .. كل منا يكتب و في ذهنه قاريء بعينه ، قاريء نموذجي ، قاريء خُلق له وحده .. كل منا له شريحة معينة تعجبها كتابته أكثر من شريحة أخرى ..يراهن عليها ، يداهنها و يخطب ودها ، و لولا اختلاف الأذواق لبار ت الكتب . غير أن الاختلاف الجوهري في السنوات القليلة الماضية جاء مع طفرة قراء الروايات تحديدا ، و نجاح الأعمال الروائية على مستوى أوسع من دائرة النخبة ، حتى صارت فكرة الإجماع التي كانت مستبعدة مطلبا ، إن لم يكن عند الروائي الذي يريد أن يباهي بنفاد كتابه ، فعند الناشر اللي عايز يكسب ..و هنا برز القاريء الحقيقي ..القاريء بمعناه الكلاسيكي الذي لم نعرفه، أقصد القاريء غير الأديب .. لأننا تعودنا منذ نعومة أظافرنا أن القاريء كاتب .. و تسبب في ذلك نخبوية النشاط الأدبي و محدودية انتشاره ، بل و احتقاركلمة ( قاريء ) أحيانا.عادت شريحة القراء .. و عادت معها حفلات التوقيع .. و انتشرت المكتبات ، و بدأ الروائيون ـ و أنا منهم ـ يستمتعون بقدر من النجومية لم يكن متاحا للأجيال السابقة .. و لعبت المدونات لعبتها .. و جاء بعدها الفيس بوك ليصبح البعد الاليكتروني سلاحا فتاكا في خلق قاريء جديد لم يكن يقرأ من قبل سوى روايات الجيب
أعود لهذا القاريء ..البني آدم الذي يحبك ، و يعتبر توقيعك على كتابه انتصارا ، و يلقبك بأستاذ ، و يجعلك تقول للناشر بثقة : الرواية نفدت و لا لسة ؟ كيف تفكر في علاقتك به ؟ هل تتعامل من منظور المسافة الضرورية بينكما باعتبارك منتج السلعة و هو مستهلكها ؟ أم تنتمي للرؤية الأقدم التي ترى كلاهما منتج للنص ، كل بطريقته ؟ أم تراه أهم منك ، لأنك بدونه ناقص و عملك لم يخرج للنور، لم يتحقق فعليا ؟ أم ترى نفسك لست بحاجة لخطب وده بالأساس ولا الاعتناء به، منتميا لصورة المثقف النخبوي الذي يرى أن العدد في الليمون و أن نجاح كتاب في السوق لا يعني جودته ؟ مبررا ذلك بأن اللي عاوز يتشهر بجد يروح يلعب كورة أو يمثل أو يغني أحسن له ؟
لنلاحظ معا أن قاريء الرواية الجديد قلص كثيرا من سلطة الناقد الأدبي ، الذي لم يعد معيار النجاح من عدمه .. فحتى سنوات قليلة كان نجاح رواية يتحدد بالدراسات التي كتبت عنها ..وبقدر الحفاوة النقدية بها .. و كان أول شيء يفكر فيه الروائي كتابة قائمة بالنقاد الذين سيهديهم روايته .. انتهي هذا الوضع أو كاد .. و كثيرا ما يلتفت النقاد الآن لأهمية رواية بعد نجاحها الفعلي و انهمار التقارير الصحفية الخفيفة حولها . هذا الانزياح يجب في ظني ألا يمر مرور الكرام .. لأن له دلالة ، و ستترتب عليه نتائج ..لأنه يعني أن السلطة من الآن فصاعدا ستصير للقاريء وحده .. و إذا سارت الأمور على الوتيرة التي تسير بها الآن سيصير دور القاريء في تحديد المجريات أعمق ، و سيطلب صديقي الروائي الشاب التقاط صورة بعد ذلك مع هذا القاريء و هو يرى نفسه أقل منه و ليس العكس ..و هنا يبرز سؤال أخطر : هل سنصير مثل صناع الأفلام نكتب ما يريده الجمهور لتنجح رواياتنا و نشتهر ؟ أم سندير ظهورنا و نعود لعزلتنا التي غادرناها قليلا مكتفين بقراء قليلين و بنقاد أقل يمثل التفاتهم لنا غاية النجاح ، و كإنك يابو زيد ما غزيت ؟ .. بالتأكيد هناك صيغ متوازنة بعيدا عن هذين الحلين الحديين ، و لكن ما أدراك أن التوازن ليس سوى قدر من الوسطية البغيضة أحيانا ؟ لن أكذب عليكم .. أنا لم أتخيل أن تحقق روايتي الجديدة هدوء القتلة كل هذه المبيعات ، و أن تدخل ضمن الأعمال الأكثر مبيعا .. لأنني لست من الكتاب الذين ينظرون للنجاح الجماهيري .. يعني لو جه أهلا و سهلا ، و لو ماجاش أهلا و سهلا برضه ..كما أنها رواية صعبة في تقنياتها ، و لكنها رغم ذلك أعجبت القراء البريئين ، اللي مش مضطرين يكملوها لو ما عجبتهمش ..بنفس قدر الاحتفاء النقدي بها .. و لكنني ضبطت نفسي متلبسا بالتفكير في الرواية القادمة .. و بأمنية أن تنجح مع من لا أعرفهم .. و هو شيء مربك .. لم أفكر فيه من قبل ، بامتداد خمسة كتب أصدرتها حتى الآن . بدأت أخشى القاريء ، و أتمنى ألا أفقده .. أدركت بيني و بين نفسي أنني أعيش حالة ممتعة خارج القراءات الضيقة من أهل الحرفة ، المحتفظين على الدوام برباطة جأشهم ، والأدهى من ذلك أنني لا أملك موقفا من هذا القاريء ينتمي للخيارات التي طرحتها منذ قليل. الشيء الوحيد اللي انا متأكد منه إني مش هفكر آخد صورة مع قاريء إلا لو هو طلب ده ، أو طبعا لو كان آنسة جميلة جدا أتباهى بيها قدام اصحابي و اقول : المزة دي إحدى قارئاتي
!!..

Thursday, April 10, 2008

معقول كل الناس دي بتحبني ؟؟

طاهر ــ طارق ــ محمد
سالم الشهباني ــ طاهر ــ محمد أبو زيد ــ طارق
يوم 7 ابريل كان من الأيام الجميلة في حياتي .. حفل التوقيع في مكتبة ديوان الزمالك كان تحفة .. حضور ضخم .. كل الأصدقاء كانوا
موجودين ..تغطية صحفية و إعلامية مكثفة .. و فوق كل ده معايا صديقين بحجم محمد فتحي و الطاهر شرقاوي .. طب الواحد عايز إيه أكتر من كدة ؟؟
بشكر كل أصدقائي اللي نوروني و حسسوني بالدفا .. من عمر طاهر صديقي التاريخي اللي عمللي مفاجأة جميلة وجه أول واحد ومشي آخر واحد، لشادي أصلان أحدث صديق حقيقي عرفته .. و من رفيق الكفاح أحمد العايدي للنسمتين : مي بهاء و مشيرة محمود
..............
بشكر أسماء هذا الجيل التي منحت اسم طارق إمام معنى بينها : باسم شرف و محمد أبو زيد ، العايدي و نائل الطوخي و محمد عبد النبي ، هاني عبد المريد و محمد الفخراني ، سهى زكي و نهى محمود وسمر نورو سالم الشهباني و غيرهم
.................
كل الشكر لجريدة البديل اللي عملت تغطية محترمة و احتفت بينا بشكل غير مسبوق
كل الشكر لجريدة الدستور التي غطت الحفل أيضا بشكل جميل
................
كل الشكر لكل بني آدم اشترى نسخة من روايتي بفلوس كان ممكن يشتري بيها حاجات تانية
كل الشكر لكل واحد قرا سطر كتبته ، أو كتب عن حاجة كتبتها
شكرا لكل اللي ساهموا ف نجاح الرواية و منحوها لقب : الأكثر مبيعا
..............
أنا ممتن
الفوتوغرافيا للصديق العزيز محمد أبو زيد

Wednesday, April 02, 2008

حفل توقيع .. بجوار فانيليا القتلة

يوم الإثنين
7
ابريل 2008
الساعة
7 مساء
مكتبة ديوان ــ الزمالك
حفل توقيع ثلاثي الأبعاد


محمد فتحي
بجوار رجل أعرفه
..........................



الطاهر شرقاوي
فانيليا

...................................................

طارق إمام
هدوء القتلة


في انتظاركم


Sunday, March 30, 2008

فضيلة السكن في شقة مفروشة

أول ما ابتديت اسكن في شقق مفروشة كنت مكوِّن صورة غرائبية عن المسألة ، في ذهني شقة مفروشة يعني صاحبتها واحدة ست ، في منتصف العمر لكن لا تزال تحمل آثار جمال قديم .. و تعيسة لإن جوزها مسافر أو متوفي أو موجود لكن صحته مش مساعداه .. و انا الواد اللي بصحته بقى .. صورة سينمائية تافهة لكن كانت موجودة جوايا .. الى جانب ده شقة مفروشة يعني مكان فاضي ، و شيطان عمال بيلعب في الأركان و بنات ماليين الشوارع .. يعني الخطيئة في قمة فورانها .. و انا في النهاية بني آدم ، و البني آدم خطاء
في الحقيقة الشقق المفروشة تحديدا هي اللي علمتني الفضيلة ، و خلتني طول الوقت حاسس بذنب خفي مصدره إني أملك ثروة ممكن أصحابي يحسدوني عليها و لا أستخدمها رغم ذلك إلا فيما حلله الله .. و الأسوأ ان اصحاب البيوت اللي بسكن فيها سرعان ما بياخدوني نموذج ع الاستقامة و الأدب بلا أي سبب منطقي في الواقع ، و يضربوا بيا المثل للسكان الجدد ، باعتباري شخص بيتحرك من البيت للشغل و من الشغل للبيت ..رغم اني برجع وش الصبح و بخرج بالليل كتير ... و من ناحيتي بستجيب لشعور مرضي باللذة المازوخية و ببالغ في استقامتي مرغماً لأتلقى دعوات التوفيق المتبوعة بالحنق على بقية الشباب اللي في سني .. الصيع بتوع البنات اللي مطولين شعرهم ـ على فكرة في أغلب المواقف دي بيكون شعري طويل بالفعل و مش متسرح أحيانا .. أما لو حطينا في الاعتبار ان لا ملامحي ولا طريقة لبسي بتعكس صورة شخص ملتزم و ف حاله .. فيبقى انا فيا حاجة لله
علاقتي الشرعية بالشقق المفروشة المدعومة بالوحدة النظيفة خلت الشيء الوحيد اللي ممكن اعمل معاه علاقة سرية جوا الشقة هو الحاجات اللي الناس اللي قبلي سابوها ، لإنهم نسيوها أو لإنهم اعتبروها مش مهمة و هم بيودعوا الجدران ..في الغالب عملية التنضيف اللي بتسبق مجيء ساكن جديد مش بتكون متقنة ، لإن البواب مش ضامن هتدفعله مقابل ده ولا لأ ، فبيستنى لما تسكن و بعدين تطلب منه ينضف .. هايقولك والله منضفها .. هتقوله عارف يا باشا بس عايزين كدة وش تاني على روقان، و تطلعله اللي فيه القسمة .. أنا بقى اكتشفت ان الوش الأولاني كفاية قوي .. و بقيت الوشوش دي شغلتي .التذكارات المهملة دي بعرف منها حاجات كتير عن الشخص اللي كان عايش قبلي .. و اتخيله .. و بعد فترة بوصل لإني ابقى متأكد اني لو شفته في الشارع هعرفه و اقول له مش حضرتك كنت ساكن في الشقة الفلانية ؟ الحاجات اللي بتكلم عنها ممكن تكون علبة سجاير منسية ، أو شوية ورق بيدل على جزء من المهنة ، أو كلمات مكتوبة في لحظات ضيق ووحدة ليها علاقة بالدنيا و الحب وكدة .. أو صورة قديمة
مش عارف ليه حسيت بعد كدة فجأة اني أناني ، لإني لما بسيب مكان مش بنسى ورايا حاجة .. و أي حاجة مش لازماني بقطعها ..طب و اللي هيسكن بعدي يسلي وحدته ازاي ؟ خصوصا لو كان مؤدب ؟ فبقيت اسيب الحاجات اللي مش محتاجلها .. حاجة كدة من ريحتي تحسس اللي بعدي انه مش في بيت أشباح ، و ان فيه واحد قبله كان عايش هنا و متصالح مع الحيطان
هو ممكن يسأل صاحب العمارة عن الشخص اللي كان ساكن قبله و اللي نسي حاجات ، فصاحب العمارة يحكيله عني .. فيبدأ يعرفني من غير ما يشوفني ..و يتخيل شكلي .. و مين عارف .. مش مستبعد نتقابل مرة بالصدفة ونقول كلام كتير مدعوم بابتسامات و احنا مش مصدقين .. و نتأكد ان الدنيا فعلا صغيرة ، مجرد أوضتين و صالة و سرير بينام عليه كل الناس بالدور من غير ما ياخدوا بالهم

حكاية

جبل الكحل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من أي مكان في بلدتنا الصغيرة ، كان يمكنك قديما أن تشاهد جبل الكحل الضخم داكن الزرقة ، منتصبا بشموخ عند تخوم البلدة . عند الجبل تجلس المرأة الحكيمة ، التي لا تملك سوى عين واحدة في منتصف وجهها .كانت عينها واسعة جدا و مكحولة على الدوام و فيها ثلاث حدقات و ليس اثنتين مثل كل البشر .. لذلك كان البعض يسمونها : المرأة ذات العين الواحدة ، و يسميها آخرون : المرأة ذات العيون الثلاثة ، و كان كل فريق يملك بعض الحق في وصفه . إنها امرأة غريبة ، كانت تسلي وقت فراغها بوضع حفنات قليلة كل صباح من المسحوق الناعم حول عينها ، لتكحلها ، فيزيد اتساعها . كل من رأوها قالوا إن عينها جميلة بالفعل .. تتحرك فيها ثلاث حدقات مختلفة الألوان : واحدة سوداء ، وواحدة زرقاء ، وواحدة خضراء .. تبدو كأنها ثلاث سمكات زينة تسبح في بئر واسعة بيضاء . رغم ذلك لم ينكر من رأوها وجهاً لوجه أن عينها مخيفة أيضا .. فبالتركيز فيها كانوا يكتشفون أن ماءها الأبيض يتموج كموجات البحر الهادرة .. تتدافع في مد وجزر لتصطدم بسور الكحل الصلب المحيط بها .. و ينجح بعض الماء في القفز من فوقه مغادرا عينها .. فتكون الدموع ، التي تسيل داكنةً بامتداد ثوبها الفضفاض . عينها تلك سر كبير غامض ، و كذلك وجودها ذاته .. و رغم أنها لم تكن جميلة ، فضلا عن أن جسدها كان ضئيلا و متيبسا مثل فرع شجرة عتيقة ، إلا أن نساء القرية كن يحسدنها في سرهن ، لجمال الكحل الذي يتوج عينها .. خاصة و أن الكحل لم يكن قد وجد بعد في البلدة .. و كان المكان الوحيد الذي يوجد فيه الكحل هو جبل المرأة ذات العين الوحيدة .. و التي لم تبخل على شخص في البلدة بنصحها أو عطاياها الكثيرة من أدوية و أطعمة سحرية و سوائل غريبة اللون و الطعم .. غير أنها رفضت بحسم كل الرجاءات بأن تعير أي امرأة و لو قدرا ضئيلا من الكحل الذي تضعه في عينيها .. و هو ما دفع النساء للتخمين أن قدراتها السحرية و حكمتها العميقة مصدرها جبل الكحل الذي لا ينفد أبدا على مر السنين رغم أنها لم تكن تضيف إليه .
لم يكن الناس يعرفون أن دموعها التي تسقط منها على الدوام تكون ممزوجة بالكحل ، و حين تجف تتحول إلى قطع صلبة ماتلبث أن تصير كحلا من جديد تعيد المرأة استخدامه .. و من جهتها لم ترد المرأة على أسئلة أحد فيما يخص ذلك الشأن ، لأنها ـ كأي امرأة حكيمة ـ كانت مقتنعة أن عذاب الإنسان يبدأ حين يسأل عمالايجب أن يعرفه . إنها امرأة معمرة ، رأت هذه البلدة منذ كانت مساحة من الخلاء يقطنها رعاة قليلون بقطعان غنم تبحث عن العشب .. و كبرت البلدة أمام عينها حتى صارت بها بيوت كثيرة يقطنها بشر مقيمون .
لا يعرف الناس عن تاريخها شيئا ، ولا يعلمون السبب في شكلها الغريب ، و لكن الجميع ممتنون لها على الدوام ، ليس فقط لأنها كانت تعيد السكينة للمعذبين .. و لكن لأن هذا الجبل حمى البلدة من الرياح القوية التي كانت تصطدم به لتعود أدراجها ، و اتي كان بإمكانها أن تدمر بيوت البلدة و تحولها في لحظة إلى عدم ..كما استخدمته المرأة في الغزوات التي تعرضت لها البلدة ، حيث كانت تملأ كفيها بحفنات من الكحل و تقذف بها في عيون الأعداء فتصيبهم بالعمى . تمر السنين .. لا المرأة تشيخ و لا جبل الكحل يتناقص .
بقدر إعجاب النساء بها ، إلا أن غيرتهم كانت تتضاعف يوما بعد يوم .. و ذات يوم قررن أن يذهبن جميعا لجبل الكحل و يغترفن منه .. و لأنها حكيمة ، فقد عرفت المرأة بمجرد أن شاهدتهن أنهن جئن في طلب غير عادي . قالت لهن قبل أن تنبس إحداهن ببنت شفة : " أنتن تردن هذا الكحل لعيونكن .. تعتقدن أن فيه سر خلودي و حكمتي ، و تنسين أنني لا أملك سواه .. ليس لي زوج مثلكن و لا بيت و لا أبناء .. و بالمقابل فشكلي غريب و جسدي ضئيل .. أتستكثرون علي الشيء الوحيد الذي أملكه ؟ ".
أطرقت النساء لثوان ، و لكنهن أفقن سريعا ، و قررن ألا يستمعن للمرأة وألا يفكرن في كلامها . بدأن يقتربن من جبل الكحل و تدافعت الأيادي لتأخذ كل امرأة ما تقوى عليه . هنا أكملت المرأة بابتسامة : " أستطيع أن أمنعكن ، و أن أوقف أياديكن ، و لكنني لن أفعل .. لأن الخسارة لن تكون من نصيبي " . عندما أكملت عبارتها كانت النساء قد أنهين تقسيم جبل الكحل ، و تفرقن بأجولتهن التي عبأن فيها المسحوق الداكن . اختفت من بعدها المرأة للأبد ، و صار وجودها ذكرى منذ ذلك الحين .و في اليوم التالي استيقظت كل امرأة وضعت الكحل في عينيها بعين واحدة بيضاء في منتصف وجهها ، بلا حدقات ، تسيل منها دموع حارقة على الدوام .. بينما تحول مكان جبل الكحل إلى عين ماء واسعة ، تسبح فيها ثلاث سمكات كبيرة . و لأن البحيرة كانت بلا سور يحتجز مياهها المندفعة .. فقد بدأ الماء يسيل في اندفاعات متلاحقة مجنونة ، متجها نحو البيوت ليُغرقها .
فشلت كل المحاولات في بناء أسوار حول العين الهادرة ، فقد كان اندفاع الماء دائماً أقوى من كل الحواجز .. قادراً على إذابة الطوب و الحجارة و الفولاذ و كل المواد الأخرى التي جربها الأهالي ليتفادوا الغرق . مع شروق كل شمس جديدة كانت المدينة تفقد بيتاً أو أكثر .. حتى جاء يوم قرر فيه الرجال أن يستخدموا ما تبقى من كحل في إحاطة الماء به .. و بالفعل نثروه حول عين الماء .. و كانت المفاجأة أن الماء كف من يومها عن مهاجمة البلدة .. و صار يصطدم بالسور الجديد المتين دون أن يقوى على تفتيته أو إذابته .. فيما عدا موجات قليلة بين الحين و الآخر ، كانت تتمكن من القفز فوقه .. و تتحرك في شوارع البلدة برفق .. لتذكر الناس بدموع امرأة قديمة ، و بجبلٍ داكن الزرقة تحول مكانه إلى ذكرى بعيدة
!

Monday, March 03, 2008

خلاص .. محمد ربيع ساب الدنيا

...........................
آخر مرة شفته كنا ع التكعيبة ، بالنهار ، و قعدنا لوحدنا .. و دي حاجة ماحصلتش من زمان
قاللي انه ناوي يركز شوية في الصحافة علشان المستقبل
........................
كنت دايما أقول له : يا سبرينج
و يرد : ماشي ياعم طارج
فأقول له : سبرينج يعني ربيع بالانجليزي، مش شتيمة
و لما يرد : أنا ماليش في الانجليزي يا عم طارج
كنت اضحك و اقول له : أمال ليه بتكتب رواياتك من الشمال لليمين يا ربيع؟؟
!! فيقول : خلاص يا عم طارج .. مشيها سبرينج
......................................................
محمد ربيع صديق ، روائي ، توفي صباح الإثنين 3 فبراير 2008
،،
فشلت كل محاولاتي في البحث عن صورة له على الانترنت
،،

Saturday, February 09, 2008

مترو من غير تذكرة

مترو هي أول جرافيك نوفيل( رواية مصورة ) مصرية ، أبدعها صديقي و أخي الفنان الجميل مجدي الشافعي ، و كان لي شرف قراءتها وهي لاتزال مخطوطة .. ثم الحصول على نسخة مبكرة منها فور صدورها من الشافعي
العمل مهم ، و ممتع ، و متكامل
و لأن مجدي الشافعي هو رجل المهمات الصعبة فقد قرر أن صدور مترو ليس نهاية المطاف
فكر الشافعي في عمل معرض لعرض اسكتشات مترو ، يعرض فيه ـ بسماحته المعهودة ـ سر الطبخة الفنية و كواليسها لمن يريد
إلى جانب ذلك تقام ورشة لتحليل و مناقشة آليات عمل الجرافيك نوفيل
مع ثلاث ندوات لمناقشة العمل روائيا و تشكيليا و سينمائيا ، خصني فيها الفنان الجميل بتحليل الشق الروائي من العمل .. بينما يناقش الفنان الكبير أحمد اللباد الشق البصري الفني
.................................................
كل التفاصيل في البانفليت المعروض أمامكم
يمكنكم تكبيره بضغطتين كليك شمال بس
(:

رجاء النقاش ... حكاية شخصية

تعرفت على الراحل الكبير رجاء النقاش عام 2003 ، عندما تولى رئاسة تحرير سلسلة ذاكرة الكتابة التي تصدرها هيئة قصور الثقافة ، بالتزامن مع اختياري سكرتيرا لتحرير نفس السلسلة .. لأعمل بشكل مباشر مع الرجل الكبيرفي واحدة من أهم محطات حياتي ، و ليوضع اسمي المتواضع بجوار اسمه الكبير على ترويسة واحدة من أهم السلاسل الفكرية لوزارة الثقافة . طلب أن يتعرف علي ، فقد كان دقيقا .. لا يمثل له العمل في أحد المواقع مجرد عمل روتيني ، يكفي فيه أن يضع اسمه ليحظى بقيمة مضاعفة .تحدد موعد للقاء .. و جلست في حضرته .. و جلبت له كتبي الأربعة .أبدى يومها ارتياحه للعمل مع أديب و ليس موظفا ، قال لي إنه قرأ لي نصوصا في عدة أماكن ، و سعد بكتبي ووعدني بقراءتها إن سنح الوقت المكتظ .. ابتسمت له ممتنا لمجاملته .. و لكني عندما قابلته بعد ذلك فوجئت أن الرجل قرأ ، و احتفظ بملحوظات قيمة ،ورغم أنني لم أتخيل أن يتعامل مع كتابتي بتسامح ، كرجل كبير له ذائقته و سياقه البعيد تماما عني ، إلا أنه فاجأني يومها بالعبارة التي يتردد صداها في أذني كثيرا : " أنا أحب أكتب عنك .. لكن للأسف لازم اكون من جيلك " اندهشت ، و طلبت إيضاحا ، فقال : عندما كتبت عن الطيب صالح ومحمود درويش و أغلب كتاب تلك الحقبة كنت من نفس الجيل .. ملما بالسياق النفسي و الفكري قبل الاجتماعي و الاقتصادي ..كنت متورطا فيما يحدث ولست متفرجا أو مراقبا ، لذا كتبت من الداخل و ليس من الخارج "و أكمل :" لذا لابد أن يفرز كل جيل نقاده ". و عندما قرأ بعض مقالاتي النقدية أثنى عليها و لكنه طلب مني ألا أنجرف كناقد لأن تجربتي الإبداعية تستحق أن أمنحها كل وقتي . كان حريصا على مناقشتي في طبيعة الكتابة الجديدة ..و تحدث معي عن ميلي للتغريب و اسقاط القضية المباشرة و البعد الاجتماعي الواضح ، ليس بغضب أو عدم ارتياح لكن كخصيصة لها معناها و علاقتها باللحظة التي يحياها كاتب في سني ـ كنت وقتها في السادسة و العشرين من عمري ـ و بدأ يحلل معي أشياء كثيرة و يربط تحولات الكتابة بتاريخها و محطاتها . قال لي ذات مرة : في مصر لا تدافع الموهبة عن صاحبها .. بل يدافع الكاتب عن موهبته .. و من لا يفعل ذلك يضيع ، فلا تنصت لمن يحاول إقناعك بالعكس .. و عدد لي أسماء كثيرة من كلا الفريقين .. ثم قال : عليك أن تدافع عن موهبتك ، و عن قناعاتك مهما كان تطرفها ، و عليك أن تستمرلأن الانقطاع سيطمر منجزك مهما كان مهما .
قلت اللقاءات بعد ذلك ، و لكنه كان شديد الحرص على السلسلة ، مهتما بكل صغيرة و كبيرة فيها .. و قدم فيها عددا من العناوين القيمة لكتاب كبار ..و يكفي أن اهتمامه بالكلمة التي تنشر على الغلاف الخلفي لكل كتاب ـ و التي كان يكتبها بنفسه ـ كان غير عادي ، و لو تطلب الأمر حذف بعض السطور لظروف المساحة كان يتابع ذلك بنفسه و يطمئن على تنفيذه بدقة .
عندما اضطررت للاعتذار عن استكمال عملي في السلسلة ، مفضلا الإتجاه للصحافة .. حرصت على الاتصال به و إبلاغه بقراري .. و رغم خشيتي أن يمنحني نصائح أبوية بالاستمرار ـ لن تثنيني عما انتويت ـ فوجئت به يقول لي : كن حرا .. و العمل بالصحافة سيمنحك انتشارا أفضل و لكنه سيلتهم وقتك فاحذره ! كان يحدثني هذه المرة أيضا من موقع المجرب ، فقد ولد رجاء النقاش رئيسا للتحرير . أنصت إليه شاكرا ، قبل أن أبدأ مرحلة جديدة في حياتي ..بعدها قل التواصل ، و بدأت حالته الصحية تأخذ منحنياتها الحرجة .. و تعذر حتى أن يرد على التليفون حتى أتاني الخبر.
الله يرحمك يا أستاذ رجاء

Friday, December 28, 2007

هدوء القتلة

تحديث
هدوء القتلة في الدستور الأسبوعي ، 16 يناير 2008
.........
و فصل من هدوء القتلة على موقع كيكا
تعوَّد جابر في المرات التي كان يمر فيها بـ "ليل" ـ الإسكافي ـ أن يترك له ساقه الصناعية كلها ، ويمشي متعكزاً على عصاه ، عائداً إلى بيته
هذه الساق اليُسرى هي
خلود جابر الحقيقي: ساق قوية ، ناعمة ومصقولة ، لن تشيخ أبداً ، ولن تصحبه إلى مقبرته.. وحتى إن فعلت ، لن تفنى، لن يهزمها التراب.
ساقه التي لا تؤلمه ، لا تعرفها الكدمات ولا تنز منها الدماء. أما ساقه اليمنى ..النحيفة المشعرة ، ساقه التي تنتمي له تماماً.. فيترك قدمها حافية ، تدوس على قطع الزجاج وحصى الشوارع . قدم مجربة مدماة تليق بشخص مثله


تعوَّد ليل بدوره أن ينهمك في تأمل تلك الساق الميتة التي يتركها له صاحبها في كل مرة ، كلعنةٍ خفية كانت تترك خلفها ليالٍ عامرةٍ بالكوابيس
وكان ليل يندهش دائماً ، بينما يخلع عنها فردة الحذاء ، أن لقدمها الحافية رائحة عفنة : رائحة قدم بشرية

....

قرر ليل كثيراً أن يقتل جابر ، تمنى لو كان لا يزال محتفظا بمطواته العتيقة الهائمة الآن ، ليرفعها لحظة اقترابه منه ويتركها تذكاراً في عنقه ، ثم يهرب. فعلها ليل كثيراً قبل ذلك.. قاتل محترف لم يعد يذكر حتى عدد قتلاه. أقنعة غائمة ، متوحدة ، بابتسامات غير مبررة.. ابتسامات من غادروا الدنيا دون أن يقرروا ذلك ودون أن يعترضوا عليه بحسم في الوقت ذاته. كانوا ـ فقط ـ يهاجمونه في أحلامه التي كان يستيقظ معها غير مصدق أنه لا يزال على قيد الحياة
أخبرني ليل بنواياه بينما يؤكد أنه لم يعد ينام. يجيء ضحاياه القدامى في الأحلام حاملين جميعاً ساق جابر الضخمة الملساء ثم يدقون بكعب حذائها القوي ـ المليء بالمسامير التي ثبتها ليل بالذات ـ رَأسَه حتى يتناثر.
لم أكن أعلق ، وكنت أريد أن أخبر ليل أنني أيضاً قاتل ، قاتل شاب متوحد.. وأنه – من خبرتي المحدودة - فإن قتله لجابر لن يحل المشكلة. على العكس ، ستزداد تعقيداً ، لأن جابر سيأتي بعد ذلك بنفسه في مناماته ، سيرفع ساقه بيده القوية هابطاً بها على رأسه ليقتله في الواقع.. وليستيقظ ليل مفاجئاً بفتات جمجمته على ملاءة السرير
بيت ليل ليس سوى غرفة في قلب المقابر ، ويعتقد الكثيرون أن جابر ليس سوى شبح أزرق يزوره في صباحاته .. خاصة أن أحداً لم ير جابر سوى كحاملٍ للنعوش ، يزك قليلاً بينما "يؤاجر" بقدمين غير متساويتين: واحدة غائصة في الحصى والأخرى معزولة في فردة حذاء عالية الكعب.. لتهتز النعوش مع اهتزازه تحت أركانها. يعرف ليل ذلك ، وربما لهذا السبب فكرَّ ليل كثيراً ، عرف أن قتله لجابر سيكون آمناً: إما أن تخترق المطواة جسده الشبحي ليتأكد أنه ليس سوى حلم يقظة.. وإما أن تنفجر الدماء مخلصةً إياه من ذلك القاتل الشخصي. لم يكن ليل يخاف من الحل الثاني ، ولكنه كان يموت رعباً إن هو قتل شبحاً ، لأن لعنة المنامات بعدها ستتحول إلى انتقام معلن سيتحول معه الإسكافي الخائف إلى مجذوب


إذا أردت الإنتقام من ألد أعدائك دعه يحيا. هكذا تركت لديَّ الحياةُ بعضَ حكمتها. لم أعرف شخصاً قبل ذلك عاقَبَه الموت.. بينما أستطيع أن أحصي لك عشرات بل مئات .. آلاف.. ملايين الأشخاص ممن تكفلت بهم الحياة
على أية حال لا أستطيع أن أقول ذلك أمامه. على القاتل - خاصة ممن ينتمون للنوعية النادرة التي أنتمى إليها - أن يخفي فلسفته ، لأن فلسفة القاتل هي نفسها آثار جرائمه .. اللحظة التي يستطيع فيها شخصٌ أن يعرف كيف تفكر - وليس كيف تُنَفِّذ جرائمك - هي دائماً اللحظة التي تموت فيها ، وهو أيضاً.. لأن من يكشف عن قاتل حقيقي هو بالضرورة وكما تعلمنا - قاتلٌ مبيَّت


ليل رأى دماءً كثيرة قبل ذلك.. لكن يده أبداً لم تلوث. أعرفُ جيداً يدَ القاتل الأصيل: إنها تشبه - على نحوٍ ما - يدَ عازف. أناملها مخنثة ، أطرافها ناحلة ووردية ، لابد أن تكون أطرافها وردية : لها ذلك اللون الذي لا تخطؤه عين خبيرة : يدُ القاتل تحتفظ دوماً بتاريخها ، لأنها لا تملك سواه.. وهذا هو الفارق الجوهري ، وربما الوحيد ، بينها وبين يد الشاعر: فرغم التشابه الرهيب بينهما إلا أن الثانية تبقى آمنة ، نعم آمنة ، لأنها بينما تستحضر لحظات زائلة.. تكون الأولى - بالتزامن - منهمكة بكل إخلاص ، في تأكيد حيواتٍ مبتورة

.......................................

هدوء القتلة ، رواية

يناير 2008


عن دار ميريت
..........................
الغلاف : الفنان الكبير أحمد اللباد

Saturday, November 24, 2007

الساحر الأخير



.. في النهاية ، و بنعومة ، و بأقل قدرٍ من الشغف .. عليك أن تنزع أصابعك من جهاز الـ " كوليكت فور "، فهو في النهاية لا يصلح كجهاز تلصص على أفكارك – تلك التي كانت في الماضي عبقرية_ مجرد تطور تقني للعبة " السيجة " لا يدوِّم الرمال و لا يزعج قشرة الأرض الهشة ، يجعلك تتبارى و أنت أكثر جمالاً و بعداً عن التقلبات القلقة للهياكل العظمية .. أو : هي متعة ممارسة ذنب قديم دون أن تتسخ يداك بذلك التراب الطفو لي الذي تسبب في كل مخاوف حياتك حتى هذه اللحظة

كان على الأرجح قد لمَّ الأطفال حولـه. هؤلاء ذوي الصحة الأرستقراطية من مدمني لعبة الـ كوليكت فور "،و المُبيَّـتيـن للبوكر و الجولف ، بأحلامٍ آمنة و أنوفٍ مرفوعة لأعلي ، و عندما راحوا يهزمونه واحداً واحداً و ينحونه من المنافسة مبكراً .. عدل قليلاً في قوانين اللعبة ، و قرر أن احترام الأكبر سناً و ليس الأكثر أحلاماً يُملي أن يظل مستمراً بغض النظر عن النتيجة

في نظر ربــة البيت هو خادم عجوز مخرف . في نظر زوجها هو كاتم الأسرار و جامع أشتات العائلة. بالنسبة للرجل الكبير الذي يماثله في السن هو ذلك الرجل الذي ينظر للماضي بعين زجاجية لا تعكس سوى أقواس قزح . بالنسبة لنفسه لخص كلَّ شئ في جملةٍ واحدة كان يقولها في المرآة قبل النوم : أنا قطعة الأثاث الوحيدة التي لا غنى عنها لهذا البيت . ضحى لكي يصل إلى هذه المرتبة التي منحته أخيراً الحق في الجلوس معهم على مائدة طعامٍ واحدة بأن تكون له زوجة أو عشيقة .. و لا يفكر أبداً أن الكرسي الذي بات ملكه في طرف المائدة تزامن مع سقوط آخر واحدةٍ من أسنانه

ببساطة يتلقى كلام أصغر الأطفال و هو يقول : لقد تعودتُ على هزيمتك حتى أنني صرت ألاعبك و أنا مغمض العينين . طفلٌ آخر يقول له : أنا أتدرب فيك لأكتشف طرق الفوز بأقل عددٍ من الحركات . أما المراهقة المترفعة ، شبيهة أمها في الطول و النحافة و استقامة الأنف و عاشقة الشِعر- كم هرَّب إليها سراً في طفولتها من الدواوين! ـ فقالت له باقتضاب : حياتك مثل أقدام شخص تعوَّد أن يمشي أثناء النوم
........................

.. أخيراً رأيتك تحلم ، أيها الخَطِر !، بجسدٍ بلاستيكي ضخم ملئ بدوائر ملوَّنة شفافة ، تعمل كفلاتر لألوان العالم الحقيقية .. و أنت ترى الحياة مجزأةً و مزدحمة .. كل مشهد في دائرته بلون يجاور مشهداً آخر في دائرة أخرى ، يلاصقه ، بلون آخر .. بل انك لم تقنع بمجرد الحلم ، بدليل تلك الستارة المنتفخة في غرفة نومك باختراعك المدهش الذي عملت فيه بدأب منذ طفولتك ـ لحظة دخولك لتلك الغرفة للمرة الأولى ، و حيث عرفت أنك ستنام بين هذه الجدران بالذات إلى أن يخرجوك منها ذات صباح أو مساء ، دون قرار منك ، جثة هامدة- و كل مساء ، تزيح الستارة عن شباك غرفتك، و توجه اختراعك للعالم الخارجي، لترى : صاحبة البيت الحمراء في دائرة ، زوجها الأزرق في دائرة، الطفل الأصفر و المراهقة الخضراء
..كلهم في مشهدٍ واحد . كلٌ منهم مع ذلك في عزلة لونه، كأنهم محض قطعٍ كرتونية مبعثرة جمَّعها الكولاج في مشهدٍ واحد لا يخفي حدة الخطوط الفاصلة
.....................

بإشارة منه تـُطفــأ أنوار البيت ، كأنه الساحر الأخير في هذا العالم، و ليس عليه في الصباح إلا الاطمئنان على كرسيه في طرف المائدة، و مكانه المضمون في اللعب

Thursday, November 22, 2007

كُل الحاجات


نفسي أكتب عن كل الحاجات اللي ما عِشتهاش ، لإن الحاجات اللي عشتها أنا عارفها كويس .. نفسي أكتب عن هزايم مش بتاعتي ، لإن هزايمي الخاصة بتكتبها الدموع .. نفسي أكتب عن واحدة حبيتها قوي و قتلتها علشان أداري ضعفي ... نفسي أشوف ابتسامة حقيقية في وسط البلد .. نفسي أبطل شغل و اقعد في حتة على البحر يقدر الإنسان من خلالها يشوف ربنا .. ربنا اللي عمري ما شفته في القاهرة ، لإن الآلهة فيها أكتر من الهم على القلب . نفسي أدخل سينما ما فيهاش ولا بني آدم و أقلد الممثلين براحتي .. نفسي مابقاش دايما مضطر اختار بين طريقين ، كل واحد فيهم هياخد حتة من ملامحي . نفسي هدومي القديمة تليق عليا لو لبستها من جديد.. و نفسي أكتب جوابات حُب لحبيبتي الأولانية اللي ما تعرفش خطِّي لغاية دلوقت

مشاهد مُتحركة

نص قصصي
...................
كان مليئاً بالصور ، و بمجرد أن يتنفس،كانت آلاف المشاهد المتحركة تـتساقط من جلبابه، لـتبدأ حياتها الخاصة بعيداً عن أسر مخيلـته
استطاع ذات مرة أن يحرك السماء حين رفع لأعلى مشهد البطل و هو يقبل البطلة،و بتثبـيت أطراف أصابع أقدامه لثانيةٍ واحدة، كان يتمكن من التحليق الخفيف فوق النعوش النحيلة لضحايا قصصه. و بازدياد جمهوره تطوَّر أداؤه حتى تمكن من إضافة الأصوات لسكون شاشـته، فحوَّل الموت من انهيار صامت إلى الطقس الوحيد ذي الشأن لهياكل أصحابه
في مشيه المتئد ، كانت الأشباح تبدأ تحركاتها من حولـه، كأنها حيَّة ، و كأن الأبطال – الذين لم يكونوا سوى بقايا ألوان منحها الهواءُ حياتها المتخيلة – هم الكائنات الوحيدة الحقيقية في الدنيا الـتي خلقـها كل من اقــتفـوا أثره
هذه هي الأشياء التي صنعها ليتخلص من إِرثه الذي أفسد أمعاءه ، منذ فقد بصره ، حين فـشـل في العثور على مقبرةٍ مناسبة ، يعرض فيها مشهد موته


Friday, October 19, 2007

أخباري الأدبية



أكثر من صديق و قاريء عاتبوني لإني غير مهتم بنشر أخباري الأدبية على البلوج سواء من أعمال منشورة أو الندوات التي أتحدث فيها نقديا ..و الحقيقة أنا نادرا ما أشير لعمل جديد منشور لي أو لنشاطي الأدبي لأكثر من سبب .. أولها إني مش بفترض ان قاريء المدونة بالضرورة أديب أو مهتم بكواليس الأدب ..و عشان كدة بكتب في البلوج بشكل حر .. و أحيانا أنشر قصصاً و نصوصاً لم تنشر بعد كنوع من اختبارها أو التأسيس لها ... وأنا لا
أشير لأعمالي المنشورة في المجلات و الصحف لإني بنشر بغزارة شديدة و ف أماكن متنوعة جداً مصرياً و عربياً ما بين نصوص سردية و مقالات نقدية ده غير شغل الصحافة .. يعني لو استخدمت البلوج في الغرض ده هلاقي نفسي بعمل ده يوميا مثلا .. رغم ان في ناس قالتلي ان دي ممكن تكون وسيلة للمتابعة و الإشارة لمن يريد المتابعة .. لكن أنا بفضل أشير مثلا لكتاب جديد هنشره أو مشروع مكتمل .. و مع ذلك اكتشفت أن لأصدقائي بعض الحق


و عموما ، أنا ممكن أوجز أخباري الأدبية خلال الفترة الماضية في عدة مشاريع رئيسية في طريقها للظهور قريباً




هدوء القتلة


روايتي الجديدة ، ستصدر قريبا جداً عن دار ميريت .. و هي أهم مشروع أنجزته في الفترة اللي فاتت و نالت إعجاب المجموعة التي قرأت المخطوط من أصدقائي الكتاب و المثقفين ..و تلقيت أكثر من دراسة عنها حتى الآن ، و أرجو أن تنال نفس الصدى عند نشرها


غرف القباطنة لا ترى البحر


مجموعة قصصية ، هي خلاصة ثلاث مجموعات قصصية حصلت بها على ثلاث جوائز مصرية و عربية و حولتها إلى كتاب واحد .. قصصها كتبت بين عامي 1996 و 2004نشرت بأكملها في دوريات مصرية و عربية عديدة منها الأهرام و أخبار الأدب و العربي و نزوى و غيرها ،وهي جاهزة للنشر منذ فترة و لكني أجلت إصدارها أكثر من مرة للدفع بالرواية أولاً.. و سأنشرها في الصيف القادم


حكايات


تجربة جديدة من الحكي ، أستلهم فيها روح الحكاية الشعبية محاولا مزجها بأساليب حديثة في السرد ..و هي بالنسبة لي تجربة ممتعة من مزج الواقع بالخيال.. أكتبها حاليا و تنشر أسبوعيا في الدستور بصفحة ضربة شمس منذ 8 أسابيع و محققة نجاح كبيرجدا بيشجعني على استكمالها .. و سأبدأ في إعادة نشر بعض نصوصها في البلوج خلال الفترة القادمة ..و دي فرصة كويسة اني أشكر الصديق العزيزجداً خالد كساب اللي بيحتضنها في صفحته أسبوعياً




تراب الأمس


نص سردي طويل في مقاطع انتهيت منه قبل فترة قريبة .. و سأنشره قريباً في دار نشر ستكون في الغالب عربية

الكتابة النقدية


هذا عن المشاريع السردية .. على المستوى النقدي أنا مهتم منذ بدأت الكتابة بالكتابة النقدية كمشروع مواز يضيء لي مناطق في القراءة و أنشر النقد في جريدة أخبار الأدب و مجلة أدب و نقد و مجلة الشعر و قبل ذلك في مجلة سطور.. خلافا للمقاربات النقدية في الندوات ..و الفترة الماضية شهدت نشاطاً نقدياً كثيفاً لي في مقاربة نصوص شعرية و روائية تنتمي لتيار الكتابة الجديدة نشرأغلبها في جريدة أخبار الأدب و أحدث دراسة نشرتها كانت الأسبوع الماضي عن رواية نائل الطوخي الجميلة بابل مفتاح العالم