Friday, August 22, 2008

حكاية


عندما هبط الملاك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ظنوه في البداية ملاكاً .. فقد كان الرجل الذي سقط من السماء فجأة يبدو قطعةً من الجمال الشاحب في بلدة منحت الشمسُ وجوه أهلها لون القسوة الداكن ، و تكفَّل الفقر وحده بجعل ملامحهم تتشابه حتى صاروا ـ رغماً عن أنوفهم ـ أخوة . رآه الجميع يرفرف هابطاً من بين السحب ، حتى إنه عندما اصطدم بالأرض ، كانت ندفٌ تشبه القطن تغمر جسده العاري . كانت عيناه في زرقة السماء ، و لون شعره في صُفرة الذهب البراقة . جسده قوي ، و قامته أعلى من أسطح بيوت البلدة .. أما صوته ـ الذي انطلق بالتأوهات منذ سقوطه القوي من السماء ـ فقد كان يشبه غناء طائر
سقط في قلب البلدة .. على مرأى من الجميع ، قادماً من السموات البعيدة بجروح و كدمات تغمر جسده الشمعي شاهق البياض ، فتبدو كعلامات رعب داكنة . و لأن ذلك حدث في زمن الحرب ، حيث المعجزات هي الحقيقة الوحيدة القابلة للتصديق .. فقد تأكد الفقراء أن الله قد تذكرهم أخيراً بهدية .. غير أنهم لم يعرفوا كيف سيستخدمونها أو يستفيدون منها .. كما أصابتهم حيرة : كيف سيقتسمون هذا الرجل بينهم ؟ و فكروا أنهم حتى لو مزقوا جسده إلى قطع صغيرة لن تكفي كل البيوت . بمجرد أن بدأ يفيق من سقطته مستعيداً القدرة على النطق تأكدت في عيونهم المعجزة : كان ينطق بعبارات تنتمي للغة غريبة لم يسمعوا بها من قبل ، خمنوا أنها لغة الملائكة . هكذا نسي أهل البلدة مؤقتاً حزنهم على أبنائهم الذين يذهبون للحرب و لا يعودون .. و اختفت الدموع فجأة ، و الصرخات القادمة من ظلمة الغرف الفقيرة الضيقة داخل البيوت ، و الآلام المعجونة بلون التراب .. مقدرين أن ذلك الملاك يحمل تعويضاً ما ، قد يكون غامضاً الآن و غير مفهوم ، غير أنه لن يلبث أن يكشف عن سحره الدفين


عندما تجاوز الأهالي رهبة الأيام الأولى ، و تجرأوا على الاقتراب منه بل و ملامسته .. اكتشفوا عدداً هائلاً من القطع الذهبية متناثرة حوله .. اقتتلوا من أجلها ، مات من مات و نجا من نجا .. قبل أن يتفقوا ـ مع تزايد أنهار الدماء التي غمرت الشوارع و صبغتها بلون الحناء و عبرت أبواب البيوت حتى استقرت بداخلها و بدأت زحفها على الجدران لتخفي ملامح صور الشهداء على الحوائط ـ على ألا يحدث شجار آخر .. خاصة و أنه منحة إلهية لا يجب أن تُهان أو يُساء إلى قدسيتها . اتفقوا بعد جلسات مطولة على أن تستضيف كل أسرة منهم الملاك يوماً .. و تشاجروا من جديد على ترتيب الاستضافة بين الأُسر ، و كادوا يقتتلون مرة أخرى .. إلا أنهم اتفقوا في النهاية على أن تبدأ الاستضافة من الأغنى للأفقر .. و رغم أنهم جميعاً كانوا في النهاية فقراء ، إلا أنهم بدأوا ، و لأول مرة في تاريخ البلدة ، يحصون ممتلكاتهم القليلة ليميزوا أنفسهم طبقياً .. و رغم أن الحرب ـ و منذ بدأت ـ كانت قد جعلتهم بيتاً واحداً ، إلا أن كل ذلك انتهى الآن .. فجأة ، و بكل القسوة الممكنة


أخيراً اتفقوا .. و كانت نعوش الأبناء في هذه الأثناء تأتي و تذهب ليخفيها التراب دون أي طقوس أو دموع كأنها تخص أشخاصاً آخرين لم تكن لهم ذات يوم أرجل حية تلهو فوق هذا التراب بالذات . حتى صور الراحلين لم تعد تُعَلَّق على الجدران .
الغريب ، أن الفأل الحسن للرجل ما لبث أن تحوَّل إلى لعنة .. فمع كل بيت يبيت فيه كانت النساء يستيقظن على دماء أزواجهن و أبنائهن الذكور ، مقتولين بقسوة . و رغم أن الأمر صار يتكرر يومياً و بنفس الطريقة .. إلا أن من لم يستضيفوه بعد كانوا يجازفون ، موقنين أن الخير ربما يكون من نصيبهم هذه المرة .. و هو مالم يحدث أبداً . و لم يمض وقتٌ طويل حتى كانت البلدة قد صارت بلا ذَكَر ، إلا الرجل الغريب الشاحب


عندما انتهى من مهمته ، خرج أخيراً ليتجوَّل وحده في شوارع البلدة . . ثم عاد إلى بيوتها واحداً واحداً ـ بادئاً بالأفقر فالأغنى هذه المرة ـ ليحصل على متعته اللازمة من النساء و الفتيات . . و كان قد استرد عافيته و اشتدت قوته ، و صار جسده بلون الدماء الغزيرة التي شربها .. و أدركت النساء و الفتيات أنه ليس سوى رجل مجهول جاء بخدعة مُحكمة . و حين قرر أن يعود إلى السماء ـ على مرأى من العيون المهزومة المتطلعة من شُرفات البيوت ـ لم يرفرف مثلما جاء .. و لكن هبطت طائرةٌ ضخمة صعد سلالمها بثقة .. رأت فيها العيون التي تحجرت فيها الدموع علامة مرعبة لعدو .. و أدركن في هذه اللحظة فقط ، أن الحرب قد انتهت

...................................

من حكايات الدستور

22 comments:

أحمد عبد اللطيف said...

هل هذا الرجل هو الحياة نفسها ، هذه التي تبدو في ظاهرها جميلة بينما تحتوي علي معني القبح الحقيقي ؟
هل هو هذه البسمة التي تختبيء ورائها ندفات السم المنطلقة في أوانها ؟
ربما هو كل شيء من وجهين ، ليل ونهار ، خير وشر ، داخل وخارج ، حب وكره ، إنه الفخ الذي نقع فيه لأننا لا نؤمن سوي بذاتنا ولا نرغب سوي اطعام أفواهنا ، أما الآخر فليذهب للجحيم .
وراء الحكاية يقبع مضمون فلسفي ، رؤية متأملة ، أجدها تسود في كتاباتك . الحكاية أيضا تتمتع بقدر كبير من حسن السرد ، ترتيب الحدث ، اختيار اللفظة السهلة غير المستهلكة ، البدء بجملة مشوقة ن نستمر بعدها في القراءة حتي النهاية
، والختم بعبارة قصيرة تلخص المسألة .
وما بين البداية والنهاية ، تسلط الضوء علي حقيقة بشرية لا مفر منها ، مهما اختلفت المجتمعات والثقافات ، ها هم يتقاتلون ، ها هم يسدون آذانهم ليعيشوا في عالمهم الذي اختاروه ، عالم من السراب .
لك تحياتي وتقديري

غجرية said...

i loved it alot
u tell stories like no other
wat u do is a kind of magic

mostafa rayan said...

حلوةالقصة جدا

Amr Khater said...

gameela gedan ana faker awel youm areetha asetha men elgranal w e7tafazet beha lwa7daha
go on tarek

appy said...

وكثيرا منهم
حلوة بجد القصه
بس هى دى فعلا الحياه

سمير مصباح said...

انتظار الحل الخارجى او الملاك المخلص
خديعة كبرى
هذاذ ما تحاول القصة قوله
و الرجل يحتمل تأويلات كثيرة
والقصة ككل تحتمل ذلك ومن وجه نظرى هذا من سمات العمل الجيد
تحياتى

شادي أصلان said...

تسلم الدماغ والابداع

نص ادبي رائع وممتع

بس هو لازم يبقي ليها معني؟
يعني اعتقد ان مش لازم كل كتابة تبقي رمزية لحاجات تانية

انا عن نفسي استمتعت من غير ما ادور علي رسائل من جواها

عبقري ياطارق
بجد
:)

wafaa said...

الراجل ده على رأى المثل فى مصر اتمسكن لحد ما اتمكن ,قصدك بيه ايه بقا ؟؟
الدنيا فى ظاهرها الترف وفى باطنها العذاب ؟
واهل اقرية هم المتسلقون على اى شئ ينتشلهم بدون تعب او عناء مما هم فيه
قصة جميلة
فى النهاية تركت فى العديد من التساؤلات
يسلم عقلك وقلمك فعلا اسلوبك مميز

تقبل مرورى
وفاء

Anonymous said...

طارق ..انت جميل قوى

Anonymous said...

بجد جميل قوى

ولاء السعيد

محمد إبراهيم محروس said...

حلوة يا فنان
فكرتني بمسرحية هبط الملاك في بابل
دمت مبدعا متألقا

!!! عارفة ... مش عارف ليه said...

كل عام وأنتم بخير

اللهم تقبل منا صيامنا وقيامنا وركوعنا وسجودنا

رمضان كريم
وليد

مصطفي ريان said...

كل سنة وانت طيب ياطارق ويارب تنعاد عليك اليام بالخير

Mony The Angel said...

ana bagy hna 3shan at3a2ad wamshy :D

bgad bab2a metanna7a wana ba2ralak "7ekaia mn 7ekaiat al dostoor" :|

enta bgad 3abqary
w bgad msh 3araf btgeeb alkalam da mneen

btektebo azay taieb :D??

btb2a a3ed 3ady kda w ba3deen tektebo :?
wala lek tqoos 5asa 3shan tekteb :?

msh ba2ollak bagy hna at3a22ad wamshy :D

kol ramadan wenta a7san ;))

حمادة زيدان said...

طارق امام

أسم عندما أستمع إليه يدق قلبي طرباًَ وحباً ... طارق قصصك أسافر بها من أرض الواقع إلى الأرض التي ترسمها أنت بمنتهى الحرفية والجمال ...

هذا الرجل هو الأنا التي تملئ نفسياتنا ... أبدعت كعادتك دائماً ...

اسمحلي أن أكون صديق لمدونتك الجميلة

hesterua said...

عابر انت فى مدن الأحلام
ككاهن اخير
:)

احسنت يا عم طارق والله
كل سنة وانت طيب

Anonymous said...

في خلال الثلاثين عاما الماضية تعرضت مصر الى حملة منظمة لنشر ثقافة الهزيمة - The Culture of Defeat - بين المصريين, فظهرت أمراض اجتماعية خطيرة عانى ومازال يعانى منها خمسة وتسعون بالمئة من هذا الشعب الكادح . فلقد تحولت مصر تدريجيا الى مجتمع الخمسة بالمئه وعدنا بخطى ثابته الى عصر ماقبل الثورة .. بل أسوء بكثير من مرحلة الاقطاع.
هذه دراسة لمشاكل مصرالرئيسية قد أعددتها وتتناول كل مشاكلنا العامة والمستقاة من الواقع وطبقا للمعلومات المتاحة فى الداخل والخارج وسأنشرها تباعا وهى كالتالى:

1- الانفجار السكانى .. وكيف أنها خدعة فيقولون أننا نتكاثر ولايوجد حل وأنها مشكلة مستعصية عن الحل.
2- مشكلة الدخل القومى .. وكيف يسرقونه ويدعون أن هناك عجزا ولاأمل من خروجنا من مشكلة الديون .
3- مشكلة تعمير مصر والتى يعيش سكانها على 4% من مساحتها.
4 - العدالة الاجتماعية .. وأطفال الشوارع والذين يملكون كل شىء .
5 - ضرورة الاتحاد مع السودان لتوفير الغذاء وحماية الأمن القومى المصرى.
6 - رئيس مصر القادم .. شروطه ومواصفاته حتى ترجع مصر الى عهدها السابق كدولة لها وزن اقليمى عربيا وافريقيا.
ارجو من كل من يقراء هذا ان يزور ( مقالات ثقافة الهزيمة) فى هذا الرابط:

http://www.ouregypt.us/culture/main.html

sinbad said...

تملكتني الدهشة والفرحة والاعجاب برواية هدوء القتلة، فكتبت عنها في مدونتي. وانعكفت على قراءة مدونتك كاملة حتى ظننت انك أنت الملاك الذي ولد في كتابات شاكسبير وعاش في حواري نجيب محفوظ وتنزه في مراكب جمال الغيطاني. أنا أعلم اني لست أول من يمدح كتاباتك، ولكن أعتقد أن هذا واجب تجاهك. أشكرك على تلك الأوقات الساحرة التي قضيتها أثناء قراءة ما سطر به قلمك.

مصطفى محمد said...

قال سمير في محاولته لمحاولة شرح المعني وراء القصة أن القصة لها معني
و رد شادي أصلان أنها قصة ممتعة وليس بالضرورة أن تخبأ معني و يكفي المتعة

أدعوك في مدونتك أن تقول قولتك في هذا الشأن .. متعة فحسب أم جمال وراءه معني .. هل تقصد .. أم أنك عندما تنتهي تكتشف أن الأمر سار الي مسار يصلح لأن يحبل بمعني؟

هااااا؟

:)

Anonymous said...

فى خلال الثلاثين عاما الماضية تعرضت مصر الى حملة منظمة لنشر ثقافة الهزيمة بين المصريين, فظهرت أمراض اجتماعية خطيرة عانى ومازال يعانى منها خمسة وتسعون بالمئة من هذا الشعب الكادح . فلقد تحولت مصر تدريجيا الى مجتمع الخمسة بالمئه وعدنا
بخطى ثابته الى عصر ماقبل الثورة .. بل أسوء بكثير من مرحلة الاقطاع.
هذه دراسة لمشاكل مصرالرئيسية:

1- الانفجار السكانى .. وكيف أنها خدعة فيقولون أننا نتكاثر ولايوجد حل وأنها مشكلة مستعصية عن الحل.
2- مشكلة الدخل القومى .. وكيف يسرقونه ويدعون أن هناك عجزا ولاأمل من خروجنا من مشكلة الديون .
3- مشكلة تعمير مصر والتى يعيش سكانها على 4% من مساحتها.
4 - العدالة الاجتماعية .. وأطفال الشوارع والذين يملكون كل شىء .
5 - ضرورة الاتحاد مع السودان لتوفير الغذاء وحماية الأمن القومى المصرى.
6 - الطاقة المتجددة كبديل للطاقة النووية. فالطاقة النووية لها محاذيرها وهذا ماسوف نشرحه بالتفصيل.
ارجو من كل من يقراء هذا ان يزور ( مقالات ثقافة الهزيمة) فى هذا الرابط:

http://www.ouregypt.us/culture/main.html

Baher said...

قصة جميلة جدا جدا
انت فعلا فنان جامد

arab girlscool said...

This is such a nice addition thanks!!!
عرب كول
شات صوتي
شات مغربي
إنحراف كام
شات عرب كول
صوتي
دردشه صوتيه
سعودي كول