Friday, January 05, 2007

تحـت نفس الســمـاء

أخفت العصافير ُ سماء بناية المباحث . لقد فكروا كثيراً في طردها حتى يستطيعوا رؤيةَ الشمس و هي تشرق ، غير أنهم عدلوا عن تنفيذ قرارهم حين اكتشفوا أن جلبتها عزلت أصوات التعذيب في الداخل عن آذان الفضوليين
الظلال التي انتصبت عند السياج المسوِّرفكرت أن تتطلع للجلبة التي فوق رؤوسها – و كانوا قد استبدلوا أكثر من طاقمٍ بعد أن تزايدت حالات الصمم منذ مجيئها- لم تكن رغبتها مشاهدة الشمس و لا شكل السماء. كانت تتأكدُ أن ثمةَ إلهاً لا يزال قابعاً .. و لكنها عجزت ، بعد سنواتٍ طويلةٍ تمرنت فيها ألا تنظر لأعلى .بقت تتلقى المخلفات على أقفيتها في استسلامٍ كاره ، و استطاعت أن تقـنع نفسها بعد فترةٍ وجيزة أن تلك الفضلات الدقيقة الصلبة وخزاتِ أمطار
صار المكانُ مثل لوحةٍ مجسمةٍ من أجساد ملايين الطيور ، حتى أنه استحالت رؤية و لو ذرةٍ واحدةٍ من لون الجدران الحقيقي . لقد جثمت الطيورُ على السطح و التصقت بامتداد البنايةِ محافظة حتى على أبسط الانحناءات و البروزات و غطت الأشجار أما أرض الحديقة فقد اكتظت بتلك التي كانت تسقط فجأة لتحيا لحظاتها الأخيرة .. و بات عادياً للمارة مشاهدة ضباطٍ يغادرون البناية في مهابة بينما تراصت عشرات الطيور على أكتافهم و أخرى على رؤوسهم و رؤوس دقيقة مرغبة تطل بفضول من جيوب ستراتهم ، كما صار مألوفاً بين الضباط أن يهم أحدهم بالتحدث ليجد سرباً رمادياً ينطلق من فمه .. و كان تأثير تلك المشاهد يتضاعف لدى انقضاء النهار إذ يبدون – لدى خروجهم عند غروب الشمس وسط جيوش الصيحات الرفيعة العدائية- مثل سحره .. و هكذا رسخت في أذهان أطفال تلك المدينة فكرة أن الضابط هو علبة مليئة بالطيور
لاحظوا بعد أيام أن طريقة تحليقها بدأت تتخذ شكلاً مختلفاً ، إذ تحولت إلى ما يشبه سباحةً بطيئةً لأعلى و أسفل ، كأن خيوطاً مخفيةً تحركها ، و كأن كل تلك الجلبة لم تكن سوى مزحةٍ ثقيلةٍ من قوةٍ ما غامضة لا سبيل لمواجهتها .. غير أن ازدحامَ الطيور النافقة في الأسفل كان هو السبب في تأجيل سقوطها حيث لم يكونوا على درايةٍ بطقوس الطيور التي تعقب الموت . لقد ضاعفت من إغراق الحراس بفضلاتها محاولةً التخلص تماماً منها .. و اندهش الريفيون القابضون على البنادق من قدرة كائناتٍ ميتةٍ على التخلص من بقاياها .. و هكذا حوَّلهم موتُها الغامضُ – رغماً عن أنوفهم- إلى حالمين
أخفت العصافيرُ سماءَ بناية المباحث ، و لكن سماء المدينةِ كانت خاليةً تماماً .. سماء منسية ، بيضاء ، مثل ظلٍ شاحبٍ لبقايا مرآة
لقد اندهش الخارجون من رحلة التعذيب – في ظل آلاف الندوب و تشوش الأعين التي تعودت رؤيةَ العالم من خلف عُصابات – حين وجدوا جمهرة الأشخاص الذين اعتقدوا أنهم جاءوا لاستقبالهم، غير أنهم حين اتجهوا إليهم ، لم يعيروهم التـفاتاً . نظروا إليهم كأنهم يتأملون أطلالَ ملامح قديمةٍ لم تعد تخصهم ، قبل أن ينهمكوا من جديد في مراقبة المشهد الذي سيبقى طويلاً بعد ذلك : كانوا أليفين تماماً حيث لم يعودوا يرون شيئاً ، بعد أن تكفلت الشمسُ المخفيةُ بمحو كل صناديق دنياهم . رغم ذلك كانوا شاخصين لأعلى .. دون أن يعرفوا سرَّ هذه المياة المحرقة التي انسالت على وجوههم ، كأنهم لم يجربوا البكاءَ من قبل

8 comments:

باسم شرف said...

عصافيرك اخبرتني اشياء كنت اريدها
اخبرتني بما تخفيه من اصوات

رائع يا طارق ..

Anonymous said...

تحت نفس السماء .. عنوان قوى لما تحته
هدوء فى كلمات منسابة

لفت نظرى اهتمامك بالاطفال وذكرهم بحدث هام

اعجبنى التسلسل
و ابهرتنى النهاية


دون أن يعرفوا سرَّ هذه المياة المحرقة التي انسالت على وجوههم ، كأنهم لم يجربوا البكاءَ من قبل

عصافيرك و حيواناتك الاليفة
مبهرة للغاية

مبدع و نصك عبقرى
تحياتى

Anonymous said...

^^^^^^^^#####################^^^^^^^^^^ ^^^^^^#######^^^^^^^^^^^^######^^^^^^^^ ^^^^^#####^^^^^^^^^^^^^^^^^######^^^^^^ ^^^^####^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^#####^^^^^ ^^^####^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^#####^^^^ ^^####^^^^^####^^^^^^^^^###^^^^^###^^^^ ^^###^^^^^######^^^^^^^###^^^^^^####^^^ ^####^^^^^######^^^^^^###^^^^^^^^###^^^ ^###^^^^^^^####^^^^^^###^^^^^^^^^####^^ ^###^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^###^^ ^###^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^###^^ ^###^^^^##^^^^^^^^^^^^^^^^^##^^^^^###^^ ^###^^^^###^^^^^^^^^^^^^^^^##^^^^####^^ ^####^^^^###^^^^^^^^^^^^^^###^^^^###^^^ ^^###^^^^####^^^^^^^^^^^####^^^^####^^^ ^^####^^^^######^^^^^######^^^^^###^^^^ ^^^####^^^^###############^^^^#####^^^^ ^^^^####^^^^^###########^^^^^#####^^^^^ ^^^^^#####^^^^^^^^^^^^^^^^^######^^^^^^ ^^^^^^#########################^^^^^^^^ ^^^^^^^^######################^^^^^^^^^
^^^^^^^^^^^^^^##########^^^^^^^^^^^^^^^
رائع يا طارق
نص هايل كالعادة
بس ياريت تبقى تنشر نصوص لنفسك أكتر من كده
لأنك بتنشر لغيرك أكتر
هايل يا مان ;)

محمد الدسوقى رشدى said...

حلوة أوى ياطارق
صباحك فل يامعلم

Anonymous said...

gamda..nice post

ME said...

begad mafeesh kalam.. this way beyond sensitive. if it's published please say the book's name, or the magazine.. keep going :)

أحمد شعبان said...

مش عارف.. لقتني باتثاءب وانا باقراها

أكيد ياطروق عندك أحسن

يارب ماتزعلكش صراحتي.. مكانتش حاقول لو مكنتش مهتم

حبي الغامر

طارق إمام said...

بسوم
انت الأروع يا معلم
.............................
شيماء
متشكر جددددددا
الجملة اللي عاجباكي دي أنا كمان بحبها
بصرة (:
..................................
المجهول الجميل
شكرا علي الجدارية الضاحكة
و على رأيك
بس كنت تقول اسمك علشان أعرف أحييك كويس
.............................
الكاتب ال
متميز محمد الدسوقي رشدي
خطوة عزيزة فعلا
نورتني
شكرا ليك يا معلم
بلوجك حلو جدا


....................................
frozen love
شكرا جزيلا يا جميل
..................................
me
سعيد برأيك فعلا
و يا ريت نتواصل دايما