فصل من رواية شريعة القطة
أنا ملاك ، و مثل كل الملائكة ، لي جناحان عظميان لا يفلح الريش في إخفائهما كهيكلين بارزين .. و لوني ، مثل كل الملائكة ، هو ذلك البياض المدخن الذي يمنحني لوني المدهش الدقيق ، و غير المسبوق بين الأبيض و الرماديلست معصوما ، وفي الوقت ذاته لا أضمن نجاتي ، رغم أني أعرف أنني لا أخضع لأفكار الحياة و الموت .. غير أني قد أصاب ، و يمكن أن تنز مني الدماء .. و مثل هذه الأشياء هي قمة الألم لكائن لا يموت
إصاباتي من الرب نمطية . لقد تعودت على عقابه و عرفت الذهنية التي تحكم طرق تعذيبه كأن يخصني بحضور واحدة من اللحظات التي يصنع فيها امرأة جميلة : أرى يده و هي تقبض حفنة عشوائية من التراب و الماء ، تدور ما يحتاج إلى التدوير و تسطح ما يحتاج إلى التسطيح ، تسوي البطن و تنفخ الغواية في الصدر و الإليتين ، ثم يكون الفرج ، يقول الرب :( أنت أيها العضو الحر .. سر العالم .. أنت أيها العضو الحر .. موطن النسل و بئر الذرية .. أنت أيها العضو أسميتك .. و اسمك الخراب ) . يكون الوجه آخر شيء .. ثم تصير امرأة .. و يقذفها الرب و أنا أموت .. و لكنه ليس حقي .. رغم أن أتفه الآدميين و
أشدهم قبحا ووضاعة يكون قادرا على مضاجعتها
أما بيوت الآدميين ، الضيقة الخانقة ، فأعاني فيها أشد اللحظات قسوة و غرابة . ذات يوم
ظنتني إحدى الأمهات الفقيرات طائرا داجنا من نوع نادر .. و لم أستطع المقاومة وهي تقيد
جناحي بدربة في كف واحد بينما أمد رقبتي و أصرخ .. ووضعتني في قدر يغلي . يومها
زال كل ريشي و أخرجتني بعد اثنتي عشر ساعة قطعة لحم نورانية بلا غطاء . خافت مني
وهي تندهش كيف ظل لحمي نيئا .. و بكت وسط أطفالها النائمين يحلمون بوجبتهم الشهية
............................
أنا جميل بالطبع .. رغم أنني لا أرى في القبح سوى محض صفة لا تنطوي على قيمة . أنا
جميل و لكنني بلا ثقوب أو بروزات .. لذلك فأنا لا أعرف اللذة .. لا أفهم الاحتكاكات ولا
دخول الشيء في الشيء .. لا أفهم لماذا تتعلق امرأة بكائن غيرها _ حتى لو كانت شريكا
في صنعه _ و لا لماذا يفني رجل عمره لكي يكبر أشخاص آخرون ... و لا أفهم أصلا
معنى أي شيء ينتهي بالموت
لقد قيدني عابر ما ذات يوم ، رآني جميلا و قيدني في سريره . بحث عن شفتين فلم يعثر في فكي الأبيضين المدخنين على أي أثر لحمرة دماء.. و تركني في النهاية أرفرف من نافذته
التي فتحها لاعنا ، و استلقى على سريره ينتظر _ مثلما يفعل كل مساء كما أظن _ موته
..............................
أنا ملاك .. مثل كل الملائكة خالد و قائم خارج حسابات الآخرة المعقدة
ليس لي زمن .. فقد وجدت دائما و لم أوجد قط .. و مثل كل الملائكة أشتهي نساء الأرض
رغم أني لا أملك ما يتغير شكله وحجمه .. لا يتنمل جسدي ولا تتنوع حرارته
صنعني الرب من النور .. وجعل خلودي مقبرتي
..........................................
شريعة القطة _ دار ميريت
اللوحة للفنان مارك شاجال